الجاحظ
93
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
الهيئة ، ولشغلهم التعجب منه عن مساواة صاحبه به ، ولصار التعجب منه سببا للعجب به ، ولصار الإكثار في شأنه علة للإكثار في مدحه ، لأن النفوس كانت له أحقر ، ومن بيانه أيأس ، ومن حسده أبعد . فإذا هجموا منه على ما لم يكونوا يحتسبونه ، وظهر منه خلاف ما قدروه ، تضاعف حسن كلامه في صدورهم ، وكبر في عيونهم لأن الشيء من غير معدنه أغرب ، وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف ، وكلما كان أطرف كان أعجب ، وكلما كان أعجب كان أبدع . وإنما ذلك كنوادر كلام الصبيان وملح المجانين ، فإن ضحك السامعين من ذلك أشد ، وتعجبهم به أكثر . والناس موكلون بتعظيم الغريب ، واستطراف البعيد ، وليس لهم في الموجود الراهن ، وفيما تحت قدرتهم من الرأي والهوى ، مثل الذي زهّد الجيران في عالمهم ، والأصحاب في الفائدة من صاحبهم . وعلى هذا السبيل يستطرفون القادم عليهم ، ويرحلون إلى النازح عنهم ، ويتركون من هو أعم نفعا وأكثر في وجوه العلم تصرفا ، وأخف مئونة وأكثر فائدة ولذلك قدّم بعض الناس الخارجي « 1 » على العريق ، والطارف على التلبد وكان يقول : إذا كان الخليفة بليغا والسيد خطيبا ، فإنك تجد جمهور الناس وأكثر الخاصة فيهما على أمرين : إما رجلا يعطي كلامهما من التعظيم والتفضيل ، والإكبار والتبجيل ، على قدر حالهما في نفسه ، وموقعهما من قلبه ، وإما رجلا تعرض له التهمة لنفسه فيهما ، والخوف من أن يكون تعظيمه لهما يوهمه من صواب قولهما ، وبلاغة كلامهما ، ما ليس عندهما حتى يفرط في الإشفاق ، ويسرف في التهمة . فالأول يزيد في حقه للذي له في نفسه ، والآخر ينقصه من حقه لتهمته لنفسه ، ولإشفاقه من أن يكون مخدوعا في أمره . فإذا كان الحب يعمي عن المساوئ فالبغض أيضا يعمي عن المحاسن . وليس يعرف حقائق مقادير المعاني ، ومحصول حدود لطائف الأمور ، إلا عالم حكيم ، ومعتدل الأخلاط عليم ، وإلا القويّ المنة ، الوثيق العقدة ، والذي لا يميل مع ما يستميل الجمهور الأعظم ، والسواد الأكبر .
--> ( 1 ) الخارجي : العصامي ، ضد العريق أو التليد .